المدينة ومأزق الكتابة

أورهان باموقاسطنبول الذكريات والمدينة للكاتب أورهان باموق..

من أمتع الكتب التي قرأتها في الفترة السابقة, لغته الشعرية والسلسة كانت ملفتة رغم أنه يتحدث بحزن معظم الوقت عن ما أصبحت عليه مدينة اسطنبول بعد سقوط الدولة العثمانية, وأحيانًا أخرى عن حياته وأفكاره وسيرته وسيرة عائلته, طوال الكتاب كان بين شد وجذب بين خراب المكان والبحث عن الأصالة والصوت الروائي بإعتبار ذلك الخراب والشجن حوله ميزة أدبية لا يفهمها كاتب أو قارىء يعيش في دولة متقدمة. طوال الكتاب كنت أعقد المقارنات الذهنية للتشابه الصارخ بين أحوال اسطنبول وقتها وأحوال القاهرة الأن. مما جعل المشاهد والأفكار أكثر قربًا وخصوصية.

من أجمل الأجزاء على الإطلاق حين يتحدث أورهان عن تفاصيل المكان وأهله والمدينة, في سرد طويل على مدار عدة صفحات, في سيمفونية شجن مطولة عن كل شيء, من الرجال العائدون إلى منازلهم ليلًا تحت أضواء الشوارع الخلفية, وحتى عبارات
وسفن نهر البوسفور التي شكلت جزء كبير من وعيه اليومي.

وفي مشكلة أخرى ينتقل إلى مشكلة الهوية في الكتابة والسرد, حيث الدولة بشكل عام في هذا الوقت كانت متجهة بالكامل للنمط الغربي الأوروبي على إفتراض أنه الحل المثالي لكل المشاكل, و الكُتاب بشكل خاص إلى الشكل الحداثي الغربي أرادوا أن يكتبون مثل الفرنسيين, لكن جزء منهم كان يعلم أنهم لو كتبوا مثل الغربيين تمامًا فلن يكونوا في أصالة الكتاب الغربيين الذين يعجبونهم في الأساس, فضلًا عن هذا هو الدرس الأكبر الذين تعلموه أن الكتابة العظيمة هي المبتكرة والأصيلة والصادقة. وظهر في أعمالهم كثيرًا هذا القلق وهذا التوتر بين محاولتهم أن يكونوا غربيين ومحاولتهم للكتابة بصوت أصيل.

كان هناك وعيًا أنه لن يكون في إمكان أحد أن يكتب في تركيا بأصالة مالارميه و مارسيل بروست في فرنسا, ولكن أخيرًا وجدوا موضوعًا يهمهم شخصيًا, وهو تدهور الإمبراطورية العظيمة التي ولدوا فيها -العثمانية – و إنهيارها بعد ذلك, وكانت المحاولة في ألا يقعوا في فخ الزهو التاريخي الساذج أو النعرة القومية التي وقع فيها الكثير منهم, كانت إسطنول غارقة في الخراب, لكنها كانت أولاً وأخيرًا, مدينتهم. وفي إستسلامهم لموجات الحزن التي تتدفق من إنهيار كل شيء حولهم في المدينة, إكتشفوا صوتهم وأسلوب كتابتهم الخاص.

يذكر أورهان بعض الكتاب الأتراك الذين أثروا على أفكاره ولفت نظره أنهم لم يتزوجوا أبدًا, ماتوا جميعًا دون أن يحققوا أحلامهم, ولم يكن الأمر فقط أنهم تركوا كتبًا غير مكتملة, ولكن الكتب التي نشروها في حياتهم لم تلاقي النجاح الكافي, وأحدهم رفض نشر أي كتاب له في حياته, وكان الثمن الذي دفعوه لأصالتهم مثلما كان دائمًا هو الوحدة. كان كل ما حوله يقول أن لا أمل أن يعيش الحياة الأدبية و الفنية التي يريدها, بما فيها عائلته ذاتها, و حبيبته التي قال لها أن تخبر والدها بأنه يدرس الأن ليصبح مهندسًا معماريا! ولكنه عرف لحظتها أن هذا يعني أنه حكم على نفسه, بأن يكون فنانًا في العطلات الإسبوعية فقط. كاد أن يستبدل الكتابة والفن بها لكن والدها أرسلها إلى سويسرا ليبعدها عن شاب فنان بلا مستقبل.

حاول أحيانًا أن يتناسى كل شيء, وينسى غرفة عقله السرية التي ينفرد فيها بكتبه ورسوماته وأفكاره, فاسطنبول كانت مكان مثالي تتسلى فيه بالحياة ويكون هذا كل ما هنالك. لكن ما بين الرسم و الكتب والكتابة أصر على أن لا يضيع حياته أكثر وتوقف عن دراسة العمارة.

يذكر مثال أخر مر على المدينة هو الكاتب الفرنسي فلوبير الذي كانت أيضًا مصر جزء من رحلته إلى الشرق, وقد أججت مخيلته تمامًا, كان عقله مشغولًا في ذلك الوقت بالمستقبل والكتب التي يتمنى أن يكتبها, ويتضح في رسائله العناصر التي ستكون فيما بعد أسطورة فلوبير, رفضه أن يأخذ شيء أخر غير الفن على محمل الجد, أزدراؤه لحياة الزواج والتكسب من العمل – كان ذلك في نفس المكان قبل مولد أورهان بمائة عام, وهو يتجول في الشوارع التي سيقضي فيها أورهان حياته كلها بعد ذلك مفكرًا في نفس الأفكار والتساؤلات, وصارت من مبادىء الأدب الحديث: “لا يهمني شيء في العالم, لا يهمني المستقبل أو ما سوف يقوله الناس, أو أي مؤسسة, أو حتى الشهرة الأدبية التي قضيت الليالي الطويلة في الماضي يقظًا أحلم بها. هذا أنا, وهذه شخصيتي” (رسالة من فلوبير إلى أمه, 15 ديسبمر 1850, اسنطبول.)

لم يستمتع أبدًا بفكرة مغادرة المدينة, ولم يكن ذلك نتيجة لحب عظيم للمكان الذي عاش فيه, بل كان على الأرجح نتيجة نفور متأصل في الأعماق لهجر عادات ومنازل جعلته ذلك الإنسان الكسول جدًا لدرجة تجعله لا يحاول أن يقدم على شئ جديد. كان يستطيع, كما بدأ يكتشف حينذاك, ارتداء الملابس نفسها وأكل الأطعمة نفسها. والبقاء على ما هو عليه مائة سنة بدون أي أمل مكتفيًا باستمتاعه بالأحلام الجامحة في مخيلته. وجد أورهان في المدينة وقت أتاتورك جحيمًا بداية من الإندفاع التام للتحول إلى بلد غربية إلى التحول إلى حروف اللغة المهجنة, مفتقدًا لحظات نقية كانت المدينة فيها “في سلام مع نفسها”, و يذكر ومبرره يؤكد نفسه, أنه لا يعشق هذه المدينة لأي نقاء فيها, لكنه يعشقها, بدقة, لأنه في قرارة نفسه يريدها كما هي عليه بذلك الشكل الذي يبعث على الأسى!

كان لأبيه بعض الأثر, حين كان متواجدًا بعض الوقت, حين فهم منه أهمية أن يتبع الناس غرائزهم وعواطفهم, وحقيقة أن الحياة قصيرة جدًا, ومن المستحسن أن يفعل المرء ما يريده, إذا عرفه, في الحياة – قد يستمتع المرء الذي يقضي حياته يكتب أو يرسم ويلون بحياة أغنى وأعمق – وحيث و أمتزج ذلك بالمشاهد التي كنت يراها ويتوحد معها حوله في المدينة.

إقرأ أيضاً

إضافة تعليق