إستيقاظ النائم

الأن أستلقي لأنام , أدعو ربي أن يحفظ روحي ,
إذا كنت سأموت قبل أن أستيقظ , أدعو ربي لأن يأخذ روحي .

نقاش ديريك بارفيت عن الهوية الشخصية في كتابه الصادر عام 1984 ” الأسباب والأشخاص” هو تحدي لأعمق معتقادتنا عن مَن وما نحن أو حتى ما نحن عليه . وعلى الرغم أن سياق الموضوع كان رواية.. معضلة الهوية الشخصية بالكاد معضلة جديدة . في الأساس , السؤال هو , ما الذي يجعل منك أنتَ أنت؟ وما الذي يجعل كونك أنت مستمراَ مع مرور الوقت والعمر والتغييرات المختلفة؟

أعتقادي الخاص واضح تماماً لكنه مُربك أيضاً , بكل ما تحمله الكلمة . إفترض أن العلماء طوروا جهاز إرسال الذي يمكنه أن يحولك إلى أشعة و ينقلك إلى المريخ . فيما يبدو لي السيناريو الأكثر إحتمالاً سيكون أن معلومات عنك هي التي ستُرسل إلى هناك , حتى يكون إرسال إشارات الراديو بكفاءة و سرعة أكثر مما يؤدي إلى إرسال جسدك بالكامل . هكذا و يتم عمل مسح ضوئي لك , وكل البيانات عنك سيتم إرسالها , وسيكون على المريخ جسد جديد و خصوصاً مخك سيتم تشكيله وفقاً لمخطط المعلومات القادمة عنك بإستخدام مواد موجودة بالفعل على المريخ . سيخرج من جهاز الإستقبال شخص يمشي بكل إحترام مطابق للشخص المُرسل من كوكب الأرض , بما في ذلك عقله الخاص . هذا الشخص سيؤمن أنه هو أنت بدون أدنى شك في ذلك .

رؤيتي لهذا الموقف أنه هذا الشخص ليس أنت على الإطلاق ولكنه صورة طبق الأصل.لكني وجدت هذا الأمر مُربك بطريقتين. الأولى, أنه مُحير, لأننا مازال علينا أن نتسائل ما الذي يمكن أن يكون أنت( أو الأنا أو النفس) مثل أن وجودك المستمر يعتمد على وجودك بشكل كامل ومحدد في جسدك و عقلك وليس مجرد شكل مساوي. حتى مع ذلك, وحتى لو لم توجد أجهزة إرسال.. وجود جسدك وعقلك هي نقطة إشكالية, في أي زمن جسدك هو نفس جسدك على مدار الوقت, بالأخذ في الحسبان الحقيقة العلمية القائلة بأن أعضاء الجسد وخلاياه تتجدد وتُستبدل كل بضعة سنوات؟ (ليس واضحاً إلى أي مدى صحيحة هذه النظرية بالنسبة للمخ, لكن حتى هنا يمكن أن نتصور أننا يمكننا أن نستبدل مخك كله, خلية بخلية, لو أن التكنولوجيا متاحة لفعل ذلك, بينما تترك أساس المخ كما هو.) الثانية أنه أمر مُقلق, لأنه ضمنياً بدلاً من نقلك من الأرض إلى المريخ, لو أننا تخلصنا من جسدك الباقي على الأرض إننا في الحقيقة نكون قد قتلناك, بينما يأتي شخص جديد إلى الوجود على كوكب المريخ.

أنا أكتب عن هذه الأشياء مرة أخرى لأنني فجأة شعرت بفكرة جديدة تتملكني. من الأشياء الشائعة أن تستيقظ مباشرة من نوم عميق وتشعر كما لو أنك من الطراز البدائي للوجود إلى أن تستطيع أن تستجمع عقلك وتشعر بوجودك. رغم أنه يبدو من المحير أن الشخص يظل هو نفسه رغم توقف واضح في الوعي في اللحظة السابقة, من الذي يمكن أن يشك في ذلك؟ أو يضعها بهذه الطريقة: لو أن شخصاً شك في ذلك, يصبح إذاً قريباً جدا من الشك في معنى إستمرارية النفس, الذي هو إلى حد كبير نفسه الشك في وجود النفس ذاتها. ومن أجل أنه بصعوبة يتوافق مع تصورنا هكذا يكون أننا نتواجد ليوم واحد فقط لا غير.

في الواقع, إن كان أحد يشك أن الإنسان هو ذاته عندما يستيقظ هو نفس الشخص الذي نام في الفراش في الليلة السابقة , يمكنه أيضاً أن يشك إن كان نفس الشخص عند بداية قراءة هذه المقالة, حتى وصوله للحظة الحالية. إلى أي مدى تعرف حقاً عن إستمراريتك؟ في الوقت الحالي أنت تذكر أنك مستمر في الوجود منذ قرائتك ” في الوقت الحالي أنت تذكر” لكن أليس هي نفس الحالة إن كانت هناك سلسلة متتالية من الأنفس, كل واحدة منها تكرر المحتوى العقلي والنفسي للنفس التي تسبقها مباشرة؟

أنا لا أريد التركيز على تلك النقطة خصوصاً في نقاشنا لأن, مثل بارفيت “السابق ذكره في أول المقالة”, أنا مهتم أكثر بالأثر المهم أكثر من الأمور المتعلقة بالميتافيزيقيا “ما وراء الطبيعة”. لذا لنعود إلى حالة النوم العميق: إنها تخلق فجوة في وعيك وشعورك ورؤيتك لوجود نفسك بوضوح عبر الوقت, عند إستيقاظك (بعد لحظات قليلة إن لم يكن فوراً) ‘قم بإستحضار ذهنك’ (؟) إلى حيز الوجود. هل هذا هو حقاً أنت؟ حتى الأن أنا أرى أنها ليست مجرد واضحة ولكنها أهم حقيقة في العالم. تطبيق واحد حقيقي لهذا سيكون كما حكيت عن أجهزة الإرسال: في أي وقت يدخل الشخص إلى هذه الأجهزة, سيكون على وشك أن يموت.

ولكن الأن أتسائل للمرة الأولى, بدلاً من الدخول في أجهزة الإرسال, فقط ضع رأسك على وسادتك الليلة. غداً صباحاً شخصاً ما أخر سوف يستيقظ على هذه الوسادة, يعتقد تماماً أنه أنت. لن تكون هناك فكرة عند أي شخص أخر أنه هناك شيئاً مختلفاً أيضاً. أنا الأن أتأمل وأتعجب: ماذا يمكن أن يحدث أيضاً؟ مهما يكن ميتافيزيقية الموقف, لو أن هذه الحقائق التجريبية هي الحالة, إذاً يمكن لأي شخص, بما يتضمن أيضاً الشخص الذي ذهب إلى الفراش في الليلة الماضية, أن يشكو من بعض الضياع؟ فجأة أنا شعرت بالضياع …. لنرى ما قد ضاع.

المقالة مترجمة من مجلة الفلسفة الأنPhilosophy Now” للكاتب Joel Marks..

إجعل العالم يقرأ هذه التدوينة .. :)

إقرأ أيضاً

تعليق واحد

  • شديدة 😀
    كان فى محاضرات باسمعها لريتشارد بكلاند كان اتكلم فيها على أجزاء فلسفية كده … و كان الموضوع شغلنى فترة … موضوع لو استبدلت مخك خلية بخلية … ازاى تبقى انت هو انت !
    و كان فى تساؤل شيق تانى … لو احنا عايشين فى الماتركس … ازاى نقدر ندرك اننا عايشين فى الماتركس ؟؟ و الأهم .. ازاى نقدر نوصل رسالة تقول احنا موجودين لحد فى خارج الماتركس ؟ 😀
    و قال طيب لو احنا -بكلاند و الطلبة فى المحاضرة – كنا فيديو على يوتيوب … نقدر نوصل رسالة ازاى بنفس المحتوى ، و كتب على السبورة we are here.. الأمر اللى برجلى دماغى فعلا .. حيث انى كنت باشوفه ساعتها على يوتيوب !!!!
    😀

إضافة تعليق