مفاتيح لدخول حارة نجيب محفوظ ..

وقعت تحت أيدي مقالة , منشورة في مجلة العربي (ديسمبر 2006) في عدد خاص عن الكاتب الكبير نجيب محفوظ ,, أعدت قراءة هذه المقالة مرات ومرات حتى أني لم أستطع أن أنهي هذا العدد من المجلة بسببها أجدني أقرأها من جديد ,, فهي حالة تأملية – أو وجدتها كذلك – سواء كنت كاتبا أو غيره لن تفرق وقبل كل ذلك تعرف سببا لنجاح نجيب محفوظ ككاتب وكيف وصل إلى ما وصل إليه ,, وهو ما أشترك فيه معه أخرين في طريقة الوصول وخالفه فيه أخرين ,, أقصد هنا المحافظة على الوقت بجنون و المواظبة والمواصلة في مشروعه الكتابي الذي إتخذه لحياته ,, والمثال في حد ذاته متمثلا في نجيب محفوظ وفي وصوله إلى ما وصل إليه ملهم بما يكفي لإعادة القراءة و التأمل مرات ومرات ..

أما عن نجيب محفوظ نفسه ,, فلم يكن أول من قرأت لهم ,, وربما لم أقرأ له غير في وقت متأخر ,, ولكني أذكر كم كنت شغوفا بأعماله المتحولة تليفزيونية في صغري متمثلة في مسلسل بين القصرين ,, ولا أدعي أني كنت أعي تماما الأحداث ولكن كنت أجدني منجذبا لحياة الشخصيات والجو العام القديم للأحداث ,, ومنذ أن قرأت لنجيب محفوظ روائيا فدخل مباشرة في قائمة أفضل من قرأت لهم ,, وأتمنى أن أنهي جميع أعماله وأكتب عنه من جديد من خلال فهم أعمق ..
وقبل أن أتركك مع المقالة شاهد تفاصيل يوم من حياة نجيب محفوظ بلسانه ,, أعتقد أنه سيكمل الصورة مع المقال ..

مفاتيح لدخول الحارة — يوسف القعيد (كاتب وروائي من مصر)

1- أنا

ذلك أن الإعتماد على النفس خير معلن عن معانيها , فالرجل لم يستند لأي قوة أو حزب أو شلة أو جماعة مصالح. قلمه سلاحه – ربما كان الوحيد – صحيح أنه وفدي الهوى, ولكنه لم يضع قدمه في حزب الوفد , لا القديم ولا الطليعة الوفدية ولا الجديد . لم يقل أمامي أبدا إن الأديب حزب قائم بذاته , كان مغسولا من هذه النرجسية التي نخرت مواهب كثيرة, ولكن الرجل كان يعرف طريقه, لم يضع قدميه في سفارة أجنبية على مدى حياته. ليس معنى هذا أن الذهاب إلى سفارة جريمة. ولكنه كان صاحب خط سير لا يغيره مهما كانت الظروف, ويوم نوبل قدم لي من خلال بلاغة الصمت أكبر دليل على الثبات على خط سيره, لم تغيره ولا حتى نوبل, كان يوم خميس الثاتي عشر من أكتوبر 1988 وكان لديه برنامج ثابت, وتوقعت أن يغيره ولكنه نفذه بحذافيره. في الخامسة والنصف توجه إلى كازينو قصر النيل. وظل هناك حتى إجتمعت شلة الحرافيش أو ما كان باقيا منها – في ذلك الوقت و إتجهوا إلى حيث يسهرون , مع إن مجىء نوبل التي تأتي في العمر كله مرة واحدة كفيل بأن يوفر له ألف مبرر ليغير برنامج حياته ولو مرة واحدة, ولكنه لم يفعل. لديه قدرة فريدة على التفرقة بين الثوابت والمتغيرات.

2- عبقرية المجهود

لم تصل إليه قيم الفهلوة المصرية, في إنجاز مشروعه , الذي يقوم على مبدأ أن الكتابة الجدية, لابد لها من قراءة أكثر جودة. عندما سمع عن رواية “البحث عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست, ولم تكن قد ترجمت إلى العربية بعد. حاول تعلم الفرنسية لكي يتمكن من قرائتها, ومن قبل وصل بإنجليزيته لحدود الإتقان حتى يتمكن من قرائة “عوليس” ويقول بهدوء: بروست أكثر إنسانسية ودفئا من جويس. القراءة كانت إختيارا .. أكثر منها تجميعا لقوائم طويلة, من كل كاتب كبير يكفي قراءة عمل واحد, كل هذا جرى بتخطيط صارم ودقيق ومن يقرأ البرنامج الذي وضعه بطل روايته”حضرة المحترم” لنفسه – مع الفارق بين البطل الموظف والمؤلف الروائي – يكتشف أنه أمام كاتب يرفض العشوائية في أمور الحياة والقراءة والكتابة, عندما يتأهب لقراءة عمل كبير كان يقول : عندي شغل. وفي فترات الإستعداد لكتابة رواية جديدة يردد: عندي شغل , وكلمة الشغل تشير إلى عبقرية المجهود.

3- الوقت

المبدع نوعان: واحد صاحب مشروع. والثاني يبدع حسب الظروف, وصاحب المشروع ينظر إلى الوقت بإعتباره أكبر ثروة. ولا مفر من التنظيم الدقيق. إن ذلك التصور ينطلق من كون الإنسان عموما. وللكاتب بشكل خاص – نجيب محفوظ – كما أطلق عليه محمد عفيفي مبكرا جدا في ستينيات القرن الماضي , الرجل الساعة. كان مثل السكة الجديد في زمان مضى كنت تظبط عليه ساعته. كان يوسف إدريس يقول عنه على سبيل النكتة: إن نجيب لو كتب و “نظر مصطفى إلى …” وإن إنتهى وقت الكتابة يتوقف قبل أن يتم الجملة. ويؤجل المتبقى من الجملة. حتى يحين موعد الكتابة في الغد, يا ويل الروائي. عندما يقول قاص رأيه فيه. إن هذا التنظيم الصارم مكن الرجل من تقديم هذا العالم الروائي المزدحم بشخصيات بدت لنا مثل البشر الذين نقابلهم في الواقع. للكتابة وقت,وللراحة وقت ,وللوظيفة وقت, وللفسحة وقت,وقبل كل هذا وبعده للقراءة وقت. والتنظيم وحده هو القادر على حفظ المياة الإقليمية بين وقت ووقت.

4- المعرفة

الرواية فن التفاصيل الصغيرة, لذلك من الأفضل للروائي الذي يكتب كتابة واقعية, ألا يكتب إلا عما يعرفه شخصيا. من الصعب إستعارة تجارب الأخرين ومن المستحيل القراءة عن الواقع الذي يكتب عنه الروائي, ليس معنى هذا أنه لا مفر من المرور بالتجارب التي يصورها الروائي, ولكن تفضل المعرفة. والمعرفة تبدأ من المكان والزمان , وتنتهي عند النفوس التي ستتحرك في هذا الفضاء. قال ذات مرة “عندما أكتب لا أعبأ بشىء” أي شىء وهذه الكلمة توشك أن تكون دستور حياته كلها حتى لو لم يقلها, فقد كانت أساس عملية الكتابة عنده, كان يمارسها أكثر مما يعلنها. الكتابة أيضا ممارسة, والإنقطاع عنها لفترات قد تطول, يجعل أدوات الروائي تصدأ, لذلك كان يكتب كل سنة, صحيح أنه توقف لأسباب قهرية, لكن إستمرار الكتابة كان مسألة مهمة بالنسبة له, وحاول أن تراجع السنوات العشر الذهبية في إبداعه الروائي, 1959- 1969 , لتكتشف أن الكتابة ممارسة أكثر منها إمكانية.

5- الروائيWatch Full Movie Online Streaming Online and Download

كان يدرك ان معاناة الكتابة مسألة تخص الروائي وحده, بمعنى عدم الكلام عن النص خلال كتابته. أتذكر أنه عندما إنتهى من كتابة “المرايا” قال لنا إنه لم يكن لديه موضوع جديد يكتبه هذا العام,. فجمع عددا من الشخصيات, التي عرفها, وقدمها من خلال رواية إسمها “المرايا” وبدأ شلال الأسئلة – من جانبنا طبعا – عرفنا منه أنه غير في أسماء الشخصيات وملامحها, كان حريصا على ألا يصرح بإسم الشخص الواقعي المقصود من الشخصية. التي قدمها في روايته, وكل ما قيل منسوبا إليه في حياته, وسيكثر القول بعد مماته, من أنه يقصد سيد قطب بفلان في الرواية. هو مجرد إجتهادات حتى وإن نسبت له. كرر هذا القول بعد أن كتب روايته: حديث الصباح والمساء, ثم قاله لثالث مرة بعد أن أنجز أصداء السيرة الذاتية. لم يكن يتكلم عن عمل يكتبه. ولا يتكلم إلا بعد الإنتهاء من الكتابة. وحتى وإن تكلم فهو لا يشرح ولا يحلل, لكنه يرد على تساؤلات بأقل الكلمات الممكنة. كان الرجل يستمع أكثر مما يتكلم, كان يقول: من نعم الله على الروائي أن يتكلم قليلا, وأن يستمع كثيرا.

6- المتلفت لا يصل

لم تكن عبارة, كانت أقرب لشعار عمره, لهذا السبب لم يدخل في معركة مع أحد, حتى ما قيل من أنه دخل في معركة مع العقاد على صفحات مجلة “الرسالة” في أربعينيات القرن الماضي حول السيادة للشعر أم للرواية. قال لي – أكثر من مرة – إنها ليست معركة ولا يحزنون, وعند العودة للمقالين, تكتشف أنهما منشوران في عدد واحد من “رسالة” أحمد حسن الزيات. ناقدان أدميا قلبه, لأنهما تطرقا في الكتابة عنه لأمور خاصة وشخصية. ولم يفكر في الرد عليهما. ولم يصرح برأيه فيما كتب عنه إلا في لقاءات محدودة الحضور, وفي حلم من أحلام فترة نقاهته الأخيرة, يشكون من ناقد. رآه في الحلم سألت نفسي أيهما الذي يقصده ؟ ونويت أن أسأله. لكن الموت كان أسبق إليه من سؤالي. لا تقع في حب واقعك الذي تكتب عنه لا زمانك الذي تتناوله. لا بد من وجود مسألة لفصلك عما تكتب عنه. إن المتابعة الدقيقة أمر أخر, غير أن يصبح الإنسان جزءا من هذا الواقع. وهو الذي لم يتكلم كثيرا عن هذا الإستقلال المستحيل بالنسبة للكاتب في زماننا .قدم المثال النادر له , بالسلوك اليومي والكتابة المستمرة.

إقرأ أيضاً

إقرأ أيضاً

إضافة تعليق