حسناً , فلنتحدث في الأدب

من كتاب كيف تُكتب الروايةجابرييل جارسيا ماركيز – ترجمة المترجم الفلسطيني المخلص صالح علماني ..

في مقابلة صحفية قديمة , قال خورخي لويس بورخيس أن مشكلة الكُتاب الشباب في ذلك الحين كانت في أنهم يفكرون وهم يكتبون في بالنجاح أو الفشل. في حين لم يكن يفكر في بداياته إلا بالكتابة لنفسه. ويروي قائلا ” عندما نشرت كتابي الأول عام 1932 , طبعت منه ثلاثمئة نسخة وزعتها على أصدقائي , ما عدا مئة نسخة منها حملتها إلى مجلة “نوسوتروس” فنظر أحد مدراء المجلة , وهو الفريديو بيانتشي , إلى مذعورا وقال ” هل تريدني أن أبيع كل هذه الكتب؟” فرد عليه بورخيس ” لا طبعا. فرغم إني كتبتها , غير أني لست مجنونا”. والحقيقة أن الصحفي الذي أجرىالمقابلة, ألكيس زيسمان, الذي كان في ذلك الحين طالبا من البيرو يدرس في لندن , روى على هامش تلك المقابلة أن بورخيس قد اقترح على بيانتشي أن يدس نسخا من الكتاب في جيوب المعاطف التي يعلقها المحررون على المشاجب في مكاتبهم , عسى أن يتيح ذلك نشر بعض الملاحظات النقدية حوله .

أثناء تفكيري بهذه الحادثة , تذكرت حادثة أخرى ربما تكون معروفة , وذلك حين التقت زوجة الكاتب الأميريكي الشهير شيروود أندرسون مع الشاب وليم فوكنر وهو يكتب بقلم رصاص ويسند أوراقه على عربة قديمة. فسألته : “ماذا تكتب؟” فرد عليها دون أن يرفع رأسه : “رواية”. ولم تستطع السيدة اندرسون إلا أن تهتف: “رباه!” ومع ذلك فقد بعث شيروود أندرسون بعد عدة أيام إلى الشاب فوكنر يقول إنه مستعد لتقديم روايته إلى ناشر , وشرطه الوحيد هو ألا يكون مضطرا لقراءتها. كان ذلك الكتاب هو Soldiers’ Pay , الذي نشر عام 1926 – أي بعد ثلاث سنوات من نشر كتاب بورخيس الاول – وكان فوكنر قد نشر أربعة كتب أخرى قبل أن يصبح كاتبا معروفا , يوافق الناشرون على طبع كتبه دون مزيد من اللف والدوران. ولقد صرح فوكنر ذاته يوما انه بعد هذه الكتب الخمسة الأولى , وجد نفسه مضطرا لكتابة رواية إثارية , لأن الروايات السابقة لم تؤمن له من النقود ما يكفي لإطعام اسرته. وقد كان هذا الكتاب الاضطراري هو “الحرم” Sanctuary , والإشارة إلى الكتاب جديرة بالذكر , لأنها تظهر بجلاء الفكرة التي كان حملها فوكنر عن رواية الإثارة.

لقد تذكرت هذه الأحداث عن بدايات عظماء الكتاب خلال حوار دام نحور أربع ساعات , أجريته مع رون شيبرد , أحد المحررين الأدبيين في مجلة “تايم” والذي يعد دراسة حول الأدب الأمريكي اللاتيني. ثمة أمران اثنان جعلاني أشعر بالرضى عن هذه المقابلة. الأمر الأول هو أن شيبرد لم يحدثني ولم يجعلني أتحدث إلا عن الأدب . وأثبت دون أي أثر للحذلقة أنه يعرف جيدا ما هو الأدب. والأمر الثاني هو أنه قرأ بتمعن شديد جميع كتبي, ودرسها جيدا, ليس كل كتاب منها على حدة وحسب, وإنما كذلك في تسلسلها وفي مجموعها. كما أنه تجشم عناء قراءة عدة مقابلات أجريت معي كي يتفادى توجيه الأسئلة التي توجه إلي دائما.

ولم تثر هذه النقطة الأخيرة اهتمامي كثيرا , ليس لأنها تتملق غروري – وهو أمر لا يمكن , ولا يجب استبعاده على أي حال عند الحديث مع اي كاتب , بما في ذلك أولئك الكتاب الذين يبدون متواضعين – وإنما لأنها أتاحت لي أن أبين بشكل أفضل ومن خلال تجربتي, مفاهيمي الشخصية عن مهنة الكتابة. فكل كاتب اثناء أي مقابلة معه – ومن خلال ادنى هفوة- يدرك إن كان من يقابله قد قرأ الكتاب الذي يحدثه عنه. ومنذ هذه اللحظة , وربما دون أن ينتبه الأخر إلى ذلك , يضعه الكاتب في منزلة معيبة وينظر إليه باستخفاف.

لم يوجه شيرد إلى أي سؤال شخصي, ولم يستخدم آلة تسجيل , وإنما كان يكتفي بين الحين والآخر بتسجيل بعض الملاحظات المقتضبة على دفتر مدرسي. ولم يبد اهتماما بالجوائز التي مُنحت لي سابقا أو الآن, ولم يحاول أن يعرف مني ما هو التزام الكاتب, ولا عدد النسخ التاي بعتها من كتبي ولا مبلغ الأموال التي جنيتها. لن أقدم الأن ملخصا لحوارنا , لأن كل ما قلناه أثناء الحوار هو ملك له الأن وليس لي. لكنني لم أستطع مقاومة اغراء الاشارة إلى الحدث كواقعة مشجعة في مجرى حياتي الخاصة المضطربة اليوم, حيث لا أكاد أعمل شيئا سوى الإجابة عدة مرات في اليوم على الأسئلة الدائمة ذاتها , والأسوأ أنها ذاتها الأسئلة التي تصبح علاقتها أقل يوما بعد يوم بمهنتي ككاتب. أما شيبرد فقد كان يتحرك بالبساطة التي يتنفس بها, دون أن يصطدم بأشد أسرار الإبداع الأدبي زخما. وعندما ودعني, تركني مضمخا بالحنين إلى ذلك الزمان الذي كانت فيه الحياة أكثر بساطة, وكان المرء يستمتع بلذة اضاعة ساعات وساعات للحديث في الأدب وحسب.

ومع ذلك لم يرسخ شىء مما قلناه في ذهني كرسوخ عبارة بورخيس: ” الكتاب يفكرون الأن بالفشل أو النجاح “. ولقد قلت هذا الكلام بطريقة أو بأخرى لعدد كبير من الكتاب الشباب الذين ألتقي بهم في هذا العالم. ولحسن الحظ أني لم أرهم جميعا يسعون إلى انهاء رواية كيفما اتفق ليقدموها في الموعد المحدد لمسابقة ما. ورأيتهم يسقطون في مهاوي القنوط بسبب نقد مضاد أو لرفض مخطوطاتهم في دار نشر. لقد سمعت ماريوبارجاس يوسا يقول يوما: ” في اللحظة التي يجلس فيها أي كاتب ليكتب, فإنه يقرر إن كان سيصبح كاتبا جيدا أم كاتبا رديئا” ومع ذلك فقد جاء إلى بيتي بمدينة مكسيكو بعد عدة سنوات من ذلك شاب في الثالثة والعشرين من العمر , كان قد نشر روايته الأولى قبل ستة شهور, وكان يشعر بالنصر في تلك الليلة لأنه سلم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى ناشر..

أبديت له حيرتي لتسرعه وهو ما يزال في بداية الطريق , فرد على باستهتار لا زلت أرغب في تذكره على أنه استهتار لا ارادي: ” أنت عليك أن تفكر كثيرا قبل أن تكتب لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه , أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة , لأن قلة من الناس يقرؤونني” عندئذ, وبايحاء مبهر , فهمت مغزى عبارة بارجاس يوسا : فلذلك الشاب قرر سلفا أن يكون كاتبا رديئا, كما كان في الواقع , إلى أن حصل على وظيفة جيدة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة , ولم يعد بعدها إلى إضاعة وقته في الكتابة . ومع ذلك أفكر الأن بأن مصيره ربما كان قد تبدل لو أنه تعلم الحديث في الأدب قبل أن يتعلم الكتابة . فهنالك هذه الأيام عبارة شائعة تقول: ” تريد قليلا من الأعمال وكثيرا من الأقوال ” وهي عبارة مشحونة طبعا بخيانة سياسية عظمى. ولكنها صالحة للأدب أيضا.

لقد قلت منذ شهور عديدة لجومي جارسيا اكوست أن الشىء الوحيد الذي يفوق الموسيقى هو الحديث عن الموسيقى , وفي الليلة الماضية , كنت على وشك أن أقول الكلام ذاته عن الأدب . لكنني ترويت قليلا, فالواقع أن الشىء الوحيد الذي يفوق الحديث في الأدب هو صناعة الأدب الجيد.

إجعل العالم يقرأ هذه التدوينة .. 🙂

إقرأ أيضاً