إستغراق — بارتون فِينك 2

“من يجد بهجته في الوحدة فهو وحش بري أو إله !” فرانسيس بيكون

بعد أن إختلط على بارتون فِينك الكثير حتى أنه قرأ كلمات روايته في الإنجيل مقابلاً لكلام الله .. يأتي المحققون ليحققوا في إختفاء زوجة الكاتب الشهير .. لكنهم نوعاً يعرفون الجاني .. من طريقة نزعه لرأس الجثة .. إن صورته معهم ولن يفلت تلك المرة ! .. لكنه جار بارتون الساذج ضخم الجثة ! وصديقه الوحيد في هذه البلد .. لكن على أي حال هو من خلصه من الجثة وكل شىء سيكون على ما يرام ..

لكن الدماء مازالت في غرفته وعلى فراشه ! وليس المحققون بتلك البلاهة ! يكتشفون أمر الدماء .. ويتهمون بارتون بالقتل .. على الأقل بالإشتراك في الجريمة .. ولكني لم أقتلها كنت نائماً ! لكن هل يمكن أن نفصل الأن بارتون عن شخصيات رواياته ؟! كيف يمكن أن يقتلها الجار والأبواب والنوافذ مغلقة ولم تُفتح؟ إنه هـو ! أو جاره .. أو بطل روايته ! أم هو و وجاره وبطل روايته شخص واحد وكلهم يعيشون حياتهم بالكامل داخل عقل بارتون وروايته ؟!..

لكن أيضاً مشهد النهاية يجب أن يليق برواية كبيرة .. بارتون الأن في مأزق حقيقي .. ويجب أن يظهر بطل الرواية لينقذه .. وقد كان .. قتل المحققين وأحرق الفندق بكامله .. وخرج بارتون وسط النيران و وجهه خالٍ من أي تعبير .. تتساءل وقتها .. من بين كل هذا .. ما الذي يراه بارتون وتراه حقيقي وما هو الوهمي بفعل إستغراقه؟! هل هذا الفندق من الأساس حقيقي أم هو عقل بارتون الذي إحترق ! ينتهي به المطاف على شاطىء البحر .. في يده أوراق روايته .. تأتي فتاة بهدوء تجلس على الشاطىء أمامه لتتأمل البحر والسماء .. تشبه تماماً الصورة التي عُلقت على حائط الغرفة بالفندق .. أو ربما هي في الأساس ! لا يهم الأن أن نميز !

“أنا كاتب أيها الوحوش .. أنا مبدع أقتات على الإبداع !! بعقلي هذا أخدم الناس” بارتون فِينك

في مقابل رواية بارتون العظيمة – الذي لم يُشر إلى تفاصيلها في الفيلم كثيراً بالمناسبة – خسر بارتون كونه شخص يحظى بحياة طبيعية مثل الأخرين .. لقد فرض على نفسه عزلة وتوحد إختياري ليبدع .. وربما ما حدث له في مقاربة الجنون هو مقاربة العظمة في آن واحد ! خسارة النفس بمعناها التضحية حتى بالأفكار اليومية العادية وتسخير كل حواسك لمشروعك الأكبر أياً كان ..

كل الفلاسفة والعلماء والأدباء حتى الأنبياء لم يجدوا إلى الإعتزال والإستغراق ليجدوا أنفسهم أولاً ثم رسالتهم .. هي تضحية أولية لتفهم نفسك أولاً .. ولتخرج من نفسك الإبداع يجب أن تعاني .. هذه هي رسالة الفيلم .. حتى أنه لم يجد أهمية للحديث كثيراً عن تفاصيل رواية بارتون .. كان الأهم هو إستغراقه داخل نفسه ليفهم ويبدع .. لكنها العظمة !

يقول فريدريك نيتشة في كتاب هكذا تكلم زرادشت .. ” فر إلى وحدتك يا صديقي ! إني أراك مخدراً بصراخ الرجالات العظام ومدمى بإبر الصغار .. سيعرف الغاب والصخر كيف يشاركنك الصمت بوقار .. لتكن مجدداً مثل الشجرة التي تحبها .. الشجرة ذات الجذع العريض .. ساكنة ومُصغية تقف معلقة فوق البحر .”

بقى أخيراً ملحوظة أردت ذكرها عن جون ترونتو John Turturro بطل الفيلم .. الذي كانت معظم أدواره هي أدوار كاتب وروائي وفصلها بتفاصيلها وجوانبها في أكتر من عمل مما لفت نظري جداً لجمال تخصصه ! 🙂 .. و سنتناوله مرة أخرى في التدوينة بعد القادمة ربما في عمل أخر له ..

إنتظر التدوينة القادمة .. “إستغراق البجعة السوداء” و إجعل العالم يقرأ هذه التدوينة .. :)

إقرأ أيضاً

إضافة تعليق