إستغراق — بارتون فِينك1

“أحب ذلك الذي يجعل من فضيلته نزوعه وقدره , وهكذا يريد أن يحيا من أجل فضيلته وأن يكف عن الحياة.” — “هكذا تكلم زرادشت” فريدريك نيتشة

إستغراقك في شيء ما تحبه إلى أي مدى قد يصل بك؟ حين تعتزل الناس أو تخسرهم بتفضيلك وحدتك وعملك على أي شيء أخر؟! أن تصل لدرجة أن يثور وعيك عليك معلناً العصيان ويختلط عليك الخيال بالواقع .. ماذا إن لم تكن تمتلك ما يسمى بالواقع أصلاً وأصبحت لا تملك سوى عملك وعقلك وخيالك وقد إستحوذوا عليك تماما .. إستعبدوك ليمنوا عليك بعدها بالجمال .. ربما كان هو المنتهى للبعض وبداية الحياة في مَصحَة نفسية ما .. أو منتهى الإبداع لبعض أخر وليكن بعدها ما يكون !

هذه هي قصة فيلم Barton Fink الكاتب الشاب الذي مُثلت له أول مسرحية ناجحة .. كان مبشراً بالكتابة عن البسطاء وللبسطاء .. مزق المتفرجون أيديهم من التصفيق عند نهاية المسرحية .. رأيته وقتها لم ينتبه أصلاً ! من كل هذا المديح و والورود الملقاة عند أقدامه .. كانت عيناه ممتلئتان بشغف لا حد له بمشهد النهاية ..

تأتي له العروض من جميع الجهات للتعاقد على كتاباته القادمة .. ولحاجته المادية يوافق على كتابة فيلم في هوليود الناشئة وقتها والمبشرة بنجاح كبير وصيط رنان .. يذهب على أي حال ويقابل المنتج المجنون بالمال .. ليس مهم ما تكتبه يا بارتون طالما سيأتي لي بالمال ! والجميل أن المنتج يعرف أسرار نجاح الأفلام طبعاً ! أفلام المشاجرات والأكشن وقليل من بهارات الجنس و الكوميدية وتصبح الطبخة جاهزة ! حسناً يا بارتون أكتب لنا عن هذا! لا يهم ما تكتبه إن كان عظيم أو إبداعي .. المهم أن يأتي بالمال !

كل ما حمله لهوليود كانت ملابسه والألة الكاتبة الخاصة به .. حل بهم في فندق رخيص ليكتب .. فقط ليكتب .. لكنه يعلم تماماً أن ماكينة الإبداع ليست لها زر يضغطه كلما أراد ليكتب ! كتب الكثير من الهراء الذي كان مصيره القمامة .. جلس كثيراً محدقاً في الحائط لصورة الفتاة الجالسة على الشاطىء المستغرقة في تأمل البحر وشروق الشمس .. أو ربما شروق كتابته هو الذي عليه أن يأتي الأن !

لم يقطع حبل أفكاره سوى جاره عملاق الجثة الأحمق من وقت لأخر بحديثه عن المال والمشاجرات والنساء .. هذا هو عالمه الذي لا يعرف عنه بارتون فينك شيئاً .. سوى أنه يريد الكتابة عنه .. في المقابل لا يرد الجار على حماس بارتون وحديثه عن الأدب وعن الثقافة الجماهيرية التي يبشر بها سوى أن يفتح فمه الكبير في بلاهة ويحول دفة الحوار مرة أخرى إلى النساء ! على أي حال هو صديق بارتون الوحيد الأن ..

يقابل مصادفة أحد كتابه المفضلين .. يتعرف عليه هو زوجته عن قرب .. ولكنه يصتدم بحقيقة إدمان كاتبه المفضل للخمور وصراخه بأعلى صوته على زوجته كالطفل المجنون .. بل والمفجأة الأعظم تشككه أن أعظم الكتابات التي أحبها لهذا الكاتب كان جزء كبير فيها من كتابة زوجته من الأساس ولكن بإستغلال إسمه هو ! ربما يفهم – ونفهم – وقتها أننا من نصنع الأساطير عن من نحبهم .. ونحملهم فوق حقيقتهم في عقليتنا بتصويرهم الملائكي على أنهم لا يخطئون !

تقوم علاقة ما تبنيها أحداث الفيلم بين بارتون وزوجة كاتبه المفضل – سابقاً – تقودها لفراشه يوماً .. ليستيقظ في الصباح ليراها بجانبه مقتولة !!! على المصائب أن تختار وقتها .. وهو ليس الأن بأي شكل .. ليس لبارتون الأن إلا جاره الذي يضحي بنفسه ليخفي الجثة .. عليك الأن أن تركز على كتابتك وعملك يا بارتون!Watch Full Movie Online Streaming Online and Download

ثم  .. صوت الألة الكتابة لا يتوقف ! وبدأت التروس في العمل ! وجد بارتون نفسه يكتب لساعات بدون توقف كما لم يفعل منذ فترة .. والألة الكاتبة في تلك اللحظة تتمنى ان تسمع صوتها إلى الأبد .. يبتسم لنفسه .. يضحك .. يعرف أنه يكتب أعظم أعماله على الإطلاق .. لكن في تلك اللحظة تعلن بعض الأشياء الغريبة عن نفسها .. حين فتح الإنجيل على صفحة عشوائية ليجد كلام الله في صفحة وكلمات روايته في الصفحة المقابلة ! كأن الله في سماءه وأنا إله أخر على طريقتي فيما أكتبه ! هذا هو وقت الخلق و الخلط بين كل شىء في الكون بلا منازع !

إنتظر الجزء الثاني .. و إجعل العالم يقرأ هذه التدوينة .. :)

إقرأ أيضاً

إقرأ أيضاً

3 تعليقات

  • ربما يفهم – ونفهم – وقتها أننا من نصنع الأساطير عن من نحبهم .. ونحملهم فوق حقيقتهم في عقليتنا بتصويرهم الملائكي على أنهم لا يخطئون !

    لسبب ما تذكرت أسلوب الدراما المصرية -و خصوصا فى المسلسلات التاريخية – الدينية- فى تناول الشخصيات
    أسلوبك أكثر من رائع يا صديقى … تحياتى
    🙂

  • […] بعد أن إختلط على بارتون فِينك الكثير حتى أنه قرأ كلمات روايته في الإنجيل مقابلاً لكلام الله .. يأتي المحققون ليحققوا في إختفاء زوجة الكاتب الشهير .. لكنهم نوعاً يعرفون الجاني .. من طريقة نزعه لرأس الجثة .. إن صورته معهم ولن يفلت تلك المرة ! .. لكنه جار بارتون الساذج ضخم الجثة ! وصديقه الوحيد في هذه البلد .. لكن على أي حال هو من خلصه من الجثة وكل شىء سيكون على ما يرام .. […]

  • […] ما تجدي نفسك فيه بالكامل مستغنية عن كل شىء أخر .. هو إستغراق كامل تعرفين وقتها فقط أن هذا ما كنتي تبحثين عنه ليس أن […]

إضافة تعليق