قصر الشوق

تنويه.. التدوينة بها عرض لبعض أفكار الرواية.. لكنه لا يغني عن قرائتها بأي حال!

قصر الشوق.. هي الجزء الثاني من ثلاثية نجيب محفوظ المعروفة.. كنا قد تحدثنا سابقاً عن جزئها الأول بين القصرين.. وقد نُشرت عام 1957.. و وجدتها من حيث الجمال والأفكار هي أجمل الأجزاء!

لم أجد من المُثير أن أتحدث عن كل شخصيات الرواية.. فقد كانت كلها بالنسبة لي كشخصيات خادمة لتُبرز أفكار كمال أحمد عبد الجواد ذاته في هذا الجزء من الثلاثية – كمال هو الإبن الأصغر للسيد أحمد عبد الجواد – .. في أمه كبذرة للدين.. في أبيه كبذرة للإنضباط الذاتي والملذات الدنيوية.. في ياسين – وياللعجب – كبذرة للأدب والفكر وبعض الأفكار الوجودية مع صديق كمال الروحي حسين شداد.. عايدة كبذرة للحب ثم الكفر به من النقيض إلى النقيض.. و بعد أن كان فهمي بذرة للإهتمام بالسياسية.. حتى السياسة وذكرها جاء كموسيقى تصويرية في الخلفية! لم يكن أهم في ذلك الجزء من الثلاثية من كمال ذاته.. و ذاته.. ربما كان كمال هو الهدف!

كمال وحسين شداد.. صداقة الفكر والروح.. كان كمال يتطلع داخلياً لجزء من تجربة حسين الروحية والتحرر من القيود.. يتطلع لتجريد النفس والروح وشغلها فقط بالفكر والجمال.. كانت بعض أفكار حسين شداد جديدة على كمال.. فتحت له نوع من كسر الصورة التقليدية للأفكار. كأفكاره عن العمل والمادة مثل أقواله..

لم تعد الثروة من احلامك، ولكن ألا تتمنى أن تكون قادرا على تجريد نفسك للمغامرات الروحية؟ ما أتعس حياة تستغرقها مطالب الرزق..

لا تسألني ايهما اعظم شأناً, ولكن سلني أيهما أسعد حالاً, إني أعد العمل لعنة بشرية, لا لأني كسول, كلا, ولكن لأن العمل مضيعة للوقت وسجن للفرد وحائل منيع دون الحياة, الحياة السعيدة هي الفراغ السعيد..

لم أظفر بموافقة أبي على سفري حتى وعدته بمواصلة دراستي القانونية, ولكني لا أدري إلى أي مدى سيمكنني المحافظة على وعدي؟, لا استلطاف بيني وبين القانون, أكثر من هذا يخيل إلي أني لن أصبر على الدراسة النظامية, لا أريد إلا ما أحبه, وقلبي موزع بين معارف شتى لا تجمعها كلية واحدة كما قلت مرارا وتكرارا, أريد أن أتلقى محاضرات في فلسفة الفن, وأخرى في الشعر والقصص, وأن أرتاد المتاحف ومعازف الموسيقى, وأن أعشق وألهو, فأي كلية تحوي هذه الألوان جميعاً؟ وثمة حقيقة أخرى تعرفانها وهي أني أفضل أن أسمع على أن أٌقرأ, أريد أن يشرح غيري لأستمع أنا, ثم أنطلق بحواس مجلوة وعقل مضىء إلى سفوح الجبال و شواطىء البحور والمشارب والمقاهي والمراقص, وسوف تصلكما تباعاً تقاريري عن هذه التجارب الفذة!..

تجربة الحب المحورية في حياة كمال.. المُتمثلة في حبه لعايدة.. بدأت بوضعه لها على عرش المعبودة.. في حب مُنزه عن كل سبب.. مُنزه عن الشهوة.. حتى عن الجمال التقليدي في هذا الزمن.. لم يكن يراها كجسد.. كان يراها كروحاً مُتجردة من كل ما هو أرضي.. روحاً معبودة! كان ذلك الإعجاب الأبدي في البداية.. حتى تناقص قليلاً قليلاً من كل صدمة ضربتها بقبضتها على رأسه الكبير.. حتى رآها على حقيقتها.. وإقترب في محاولة داخلية لأن يكرهها.. لكنه توقف عند ذلك الحد محاولا النسيان..

السيد أحمد عبد الجواد.. هو الأب.. أدم العائلة من ناحية أسبقية النسل.. لكن في فرعه الأصغر كمال.. بدأ يتكون نسل جديد غير بشري.. نسل من الأفكار التي بدأت ولادتها من بيئة كمال المحيطة.. بدأت تلك الأفكار تُشكل شخصية كمال وتجربته الأعمق – من الناحية الفكرية على الأقل -.. فقد إختار الفكر طريقاً وديناً وأسلوب حياة.. ما الله.. ما الروح.. ما المادة.. ما الحب.. ما البغض.. ما الجمال.. ما المرآة.. ما الرجل.. كلها كانت أطواق نجاة ليدفن بها وفيها حزنه وفشله في علاقته بعايدة.. كانت رهبانيته الفكرية وتفرغه الدنيوي من أجل الكتابة.. شاطئ جديد يتلقفه من أخر موجة لهلاك نفسه.. لم يتبقى من حبه لها غير وراثته الأهتمام بالكبراء كعائلتها.. تبقى له هيامه بالعظمة وبدل عائلة شداد أصبحت بعظمة المُفكرين والمُبدعين.. ساخراً من نفسه حتى بتشبيهه بهم بـخلقة سقراط وآلام بيتهوفن!

التجربة الدينية في حياته كانت بذرتها هي الأم.. رغم أنها لم تتخطى تجربة دينية سطحية أهم ما فيها هو زيارة الأولياء والإستعاذة من العفاريت!.. تحولت عنده بعد ذلك لتشكك صريح في كل الظواهر العبثية للنظرة للدين من حوله.. ربما رفض الدين بكل مظاهره.. لكنه لم يكفر بالله ويرفض وجوده على الإطلاق.. بل إعتبر أنه يكرس حياته للعلم والحقيقة ونشره النور كـ دين جديد.. إعتبر تحرره من قيود الدين هو تقرب إلى الله أكثر من إرتباطه بها.. أراد أن يستيقظ من الأساطير ليواجه حقائق الكون المجردة مباشرة.. وسبلها الوحيدة العلم و الخير والجمال.

السعادة الحقيقية هي كما حددها أبيقور الفيلسوف القديم.. وأتبعها كمال تماماً بكل رضا.. فقد تنازل عن المال والجاه الإجتماعي في سبيل الفكر والروح.. كان ذلك بعد أن عرف كمال نشوة الخمر.. ثم إعتياده عليها حتى ألفها وألفته فلم تعُد الجرعة العادية تنشر في نفسه تلك السعادة التي عرفها أول مرة.. وعرف أنها خدعة بطريقة ما.. فهي لن تعطيه السعادة الأبدية التي يبتغي منتهاها.. ووصفها في قوله..

والمسألة تتلخص في هذه الكلمة : كيف نجعل من الحياة نشوة دائمة كنشوة الخمر دون الالتجاء إلى الخمر؟. لن نجد الجواب في النضال والتعمير والقتال والسعي, فكل أولئك وسائل ليست بغايات, السعادة لن تتحقق حتى نفرغ من استغلال الوسائل كلها لنتمكن من أن نحيا حياة عقلية روحية خالصة لا يكدرها مكدر, هذه هي السعادة التي أعطتنا الخمر مثالها, كل عمل وسيلة إليها أما هي فليست وسيلة لشيء..

وكعادة البحث عن الحقيقة فهو على قدر راحته في الصدق والبحث عن المُنتهى, فهو مؤلم أشد الألم.. وإن كان الصدق في البحث عن الحقيقة مؤلم ألم الولادة.. فالكذب على النفس لراحتها دميم وغير مقبول.. فأرتضى بالألم حتى يخلق نفسه من جديد على طريقة إنسان فريدريك نيتشة الأعلى.. حتى مع علمه أن تلك المعاني تحتاج عمر لإستيعابها.. لكن لا مجال للهروب فلن تترك نفسه ترتاح منذ الأن!

معرفته لحقيقة والده الشهواني صدمته ليغير أفكاره.. بمعنى أدق أن يغير مدلول أفكاره.. فلم يعد الله هو الله بتعريفه الذي عرفه في طفولته.. حتى حاول أن يغربل صفات الله لينقيها من صفات أبيه الجبروتية.. نقاها من الإستبداد والقهر والديكتاتورية.. حتى يقرب الله لصورته المثالية العليا التي يراها ويؤمن بها.. الله و والده.. وبدأ بذلك مرحلة الشك.. فهل كانت نظرته لله و وضعه لمعناه بالنسبة له كانت بالصحيحة؟ هل كان من الواجب عليه أن يتوقف عن التفكير ويتقبل ما يعرفه عن الله مما يسمعه ممن حوله ومن رجال الدين؟

سيموفونية كمال وحواره ومناجاته الداخلية وصلت لأكثر نغماتها عمقاً في فصل كامل جمع خيوط تشككاته وأفكاره ومدارات ألامه.. ليصنع منها عزفاً جميلاً رغم ألمه.. ليكون تجلياً فكرياً لمرحلة فكرية أعتقد أن نجيب محفوظ مر بها في شبابه..

هذا منظر السماء يخاطب الوجدان بلسان الوجد فما اجدره ان يستلهمه طويلاً ليتأمل موقفه من الحياة في مطلع عامه الجديد. لم يعد يجد رفيقاً يحاوره بمكنون روحه, فلم تبق له إلا نفسه ليحاورها إذا استشعر حاجة إلى الحوار, فتخذ من روحه صديقا بعد أن فارقه صديق الروح, وسأل روحه: هل تؤمن بوجود الله؟, فسألته بدورها لماذا لا تحاول أن تثب من نجم إلى نجم ومن كوكب إلى كوكب كما تثب من درجة إلى درجة فوق السلم؟. وعن الصفوة المختارة من أبناء السماء فقد رفعوا الأرض إلى مركز الكون وجعلوا الملائكة تسجد للطين حتى جاء أخوهم كوبر نيكوس فأنزل الأرض بحيث أنزلها الكون جارية صغيرة للشمس, ثم تلاه أخوه داروين فهتك سر الأمير الزائف وأعلن على الملأ أن أباه الحقيقي هو حبيس قفصه الذي يدعو الأصدقاء للتفرج عليه في الأعياد والمواسم, وفي الأصل كان السديم فتناثرت منه النجوم كالرشاش المتطاير من عجلة الدراجة, وتجاذبت النجوم في لهوها الأزلي فأنجبت الكواكب, وانطلقت الأرض كرة سائلة و القمر في أثرها يعابثها وهي تقطب له بجانب من وجهها وتبسم له بجانب آخر حتى فتر حماسها فاستقرت سماتها جبالاً ونجوداً وقيعاناً وصخورا ثم حياة تدب, وجاء ابن الأرض يزحف على أربع ويسائل من يصادفه عن المثل الأعلى. لا  أخفي عنك أني ضقت بالأساطير ذرعا, غير أني في خضم الموج العاتي عثرت على صخرة مثلثة الأضلاع سأدعوها من الأن فصاعداً صخرة العلم والفسلفة والمثل الأعلى. ولا تقل إن الفلسفة كالدين أسطورية المزاج, فالحق أنها تقوم على دعائم ثابتة من العلوم وتتجه بها إلى غايتها, أما الفن فمتعة سامية وامتداد للحياة غير ان مطمعي أبعد من الفن مثالاً, لأنه لا يرتوي إلا بالحقيقة, والفن بالقياس إلى الحقيقة يبدو فناً أنثوياً, وفي سبيل هذه الغاية تراني مستعداً للتضحية بكل شيء إلا ما يمسك علي الحياة, أما عن مؤهلاتي للدور الخطير فرأس كبير وأنف ضخم وحب خائب وأمل في المرض..

وعلى أي حال غدوت أؤمن بأنني سأواصل الحياة بلا عايدة. علام تعول في طلب النسيان؟.. على دراسة الحب وتعليله كما سلف, والتهوين من الألام الفردية بالتأملات الكونية التي يبدو عالم الإنسان في مداراتها هباءة تافهة, والترويح عن النفس بالشراب والجنس, والتماس العزاء عند فلاسفة العزاء كإسبينوزا الذي يرى الزمن شيء غير حقيقي وبالتالي فالانفعالات المرتبطة بحادث في الماضي أو المستقبل مضادة للعقل, ونحن خليقون بالتغلب عليها إذا كونا عنها فكرة واضحة متميزة. أسرك أن وجدت الحب ينسى؟.. سرني لأنه يعدني بالنجاة من الأسر, وأحزنني بما كان تجربة خربت بها الموت قبل حضوره, ومهما يكن من أمر فسأمقت ما حيين الأسر وأعشق الحرية المطلقة.

تجربة قصر الشوق هي تجربة نفسية ذاتية وإعتمدت على الحوار والأفكار الداخلية أكثر من بين القصرين.. كانت بين القصرين تُمثل إشراق البدايات وأحلامها ومثاليتها.. وكانت قصر الشوق هي الواقع و الصدامات مع الذات.. في خيط رفيع إمتد من موت فهمي وتضحيته في نهاية الجزء الأول.. لحبل غليظ يستعد للإلتفاف حول رقبة كمال ليخنقه وأفكاره وإيمانه و مُثله وقيمه.. ليبدأ النظر لمعاني الكون بمنظار الواقعية حتى وضع شعاره لنفسه.. “فتح عينيك وكُن شجاعاً”..

شارك أصدقائك.. و أجعل العالم يقرأ هذه التدوينة .. :)Roblox HackBigo Live Beans HackYUGIOH DUEL LINKS HACKPokemon Duel HackRoblox HackPixel Gun 3d HackGrowtopia HackClash Royale Hackmy cafe recipes stories hackMobile Legends HackMobile Strike Hack

إقرأ أيضاً

إقرأ أيضاً

2 تعليقات

  • ال review رائع لدرجة انى بافكر اقرأ الثلاثية تانى … بعد ما كبرت و ازددت اكتئابا 🙂

  • العجيب الغريب… ثلاثية نجيب … لقد نسيتها… لان اكثر من ثلاثة عقود تفصلني مع قراءتي الاولى لبين القصرين، ولم اكمل الثلاثية… حيث رحلت الى العالم السحري وتركت الماضي الجميل… وهناك كانت حياتي هي قصر الشوق… من دون علم…
    غريب لاني عملت بحثا عن هذا المسار الذاتي… واحدى الفصول اسمها بين عالمين… نعم ثلاثية فلسفية اثرت فينا … لا ريب فيه…. وانا سعيد لقراءة هذا المقال … لاني عائد الوطن الذي عرف يوما ذاك الماضي الجميل…

إضافة تعليق