قصة الفلسفة – سقراط

سقراطكان الرجل ذو الرأس الأصلع و الثوب المهلهل الأقرب لعتال أكثر منه اعظم الفلاسفة شهرة يسير على مهل في الطرقات غير مهتم بسخافات السياسة يجمع الشباب حوله ويسألهم ان يحددوا ويُعرفوا كلامهم.. وجمعت هذه المناقشات المهتمين بالفكر لتتكون بذلك أسس الفلسفة الأوروبية.. والمُلفت للنظر هو أن الافكار التي تم النقاش فيها وقتها بقيت مستساغة لقرون تالية وتشكل على اساسها العالم عدة مرات! ومازالت تدور حولها الجدالات والحروب الفكرية وأحياناً الحروب الحقيقية بين الأفراد وبين الدول.. فقد تضمنت مثلاً نقاشات عن الأرستقراطية وكان من متحمسيها افلاطون و السيبيادس, والاشتراكية مثل انتيثيناس, والأنركية مثل اريستيبوس الذي تمنى مساواة العالم كله بلا سادة ولا عبيد.. تخيل ساحة المعارك الفكرية المصغرة هناك! لكن كل هؤلاء بالاضافة لمعلمهم شعروا أن الحياة بلا بحث و فكر وفهم ليست جديرة بان يحيا فيها الإنسان على الإطلاق..

قال سقراط ” لا اعرف سوى شيئا واحد وهو أنني لا أعرف شيئاً “

إن الفلسفة تبدأ عندما يتعلم الإنسان الشك – وخصوصاً في المعتقدات التي يُحبها – والعقائد والبديهيات التي يؤمن بها ويقدسها.. من يعرف كيف أصبحت هذه المعتقدات العزيزة علينا حقائق يقينية بيننا! وفيما إذا كانت لم تلدها خلسة رغبة سرية لحاكم أو جماعة أو سياسة, مُلبسة الرغبة ثوب الفكرة؟!

لا وجود للسياسة الحقة ما لم يتجه العقل إلى فحص نفسه أولاً..

لقد جاء فلاسفة قبله طبعاً, فلاسفة أقوياء مثل طاليس و هرقليطس, وفلاسفة دهاة مثل بارميندس و زينون, وعرافون مثل فيثاغورس. لقد بحثوا عن طبيعة الأشياء الخارجية, عن قوانين وأصول العلم المادي أو التي تعرف بالعلوم الطبيعية كالفيزياء, لقد قال سقراط عن هذه الفلسفة انها فلسفة حسنة, ولكن هناك فلسفة أجدر بالفلاسفة ان يدرسوها أكثر من جميع هذه الأشجار والحجارة التي تملأ الطبيعة, وحتى أهم من جميع هذه النجوم والكواكب, وهي عقل الإنسان. ما هو الإنسان.. وإلى شيء سيتحول في المستقبل..

وهكذا فقد اتجه للبحث في الروح الإنسانية, يتسائل عن الثوابت و اليقينيات, وإذا تحدث الناس عن العدالة المُتعارف عليها, كان يسألهم بهدوء, ما هي هذه العدالة؟ وماذا تعنون بهذه الكلمات المُجردة التي تحلون بها بمثل هذه السهولة مشاكل الحياة والموت؟ وماذا تعنون بكلمة الشرف؟ والفضيلة, والأخلاق, والوطنية؟ وماذا تعني بنفسك؟ لقد أحب سقراط أن يتناول بالبحث والسؤال مثل هذه الأسئلة الأخلاقية والنفسية. وقد عانى البعض من طريقة سقراط في السؤال والبحث التي كانت تحتاج إلى تعريف وتحديد مُحكم صحيح وتفكير واضح وتحليل حقيقي. وقد اعترض البعض على طريقته هذه, وقالوا له انه يسأل أكثر مما يجب, ويترك عقول الرجال اكثر اضطراباً مما كانت عليه قبل المحاورة والنقاش..

كانت أثينا في ذلك الوقت قد وقعت بالكامل تحت سيطرة إسبرطة, وقد ادى ذلك بالاضافة الى مساوىء حكم الديموقراطية المتمثلة في الإختيار الشعبي الأعمى الذي تم السيطرة عليه بالعاطفة إلي إبعاد القواد الأثينيين وتنفيذ الاعدام فيهم, ثم انطرحت الاسئلة تبحث عن اجابات في كيفية إيجاد قيم جديدة تحكم أثينا.. وكيف يمكن انقاذ الدولة؟

البحث عن اجابات – مُرضية – للشعب غير خارجة عن المألوف سواء القائم على الاعراف أو على الدين هو ما دفع في النهاية بالحكم بالإعدام على سقراط ففي ظل إيمان أثينا بتعدد الآلهة آمن سقراط بإله واحد وان هناك شريعة اخلاقية أبدية لا يمكن ان تقوم على دين ضعيف كالموجود في اثينا وقتها..

أمن أن الموت لن يقضي عليه تماماً بعد ان تمت مساومته لمنع الإعدام بأن يعدل عن أفكاره, وأن بقاؤه و أبديته و خلوده في خلود افكاره ولن يفرق جسده في شيء, أمن أن عدوله عن أفكاره أمام العامة هو إيمان بالجهل وكُفر بالحكمة,, فلا غرابة ان تعُم الفوضى في بلاد يسودها الجهل, جيث تقوم الجماهير بصنع القرارات في سرعة وحماقة, فليس علينا ان نفرح بكثرة من يساعدون في القرار الديموقراطي في مقابل الحُكماء..

و يومىء ول ديورانت في جملة إعتراضية تحمل الكثير من المعنى ” ألا نرى الناس مُجتمعين في جماعات, أكثر سخافة, وعنفاً, وقسوة منهم وهم منفصلين ومنفردين؟ ”

في الأخير سجل أفلاطون إعدام سقراط بالسم في أدب بديع في الإعتذار – وفي بعض الترجمات دفاع سقراط – كأول شهيد للفلسفة في التاريخ,, لم يطلب العفو من الجماهير الجهلة التي صوتت لإعدامه والتي كان يحتقرها, لقد دفع ثمناً كبيراً لانه حاول ان يعلم الناس فوق طاقة عقولهم, ورغم ان تلاميذه عرضوا عليه فكرة رشوة الحراس ليهرب, رفض ذلك ولم يجد لنفسه نهاية أفضل من ذلك لسنواته السبعين لتدعيم مبادؤه – وقد كان -.. ثم قال لأصدقاءه الحزينين.. افرحوا وقولوا انكم توارون في التراب جسدي فقط..

شارك أصدقائك.. و أجعل العالم يقرأ هذه التدوينة .. :)

إقرأ أيضاً

إضافة تعليق