بين القصرين

Watch Full Movie Online Streaming Online and Download

بين القصرين.. بين الرواية والمُسلسل التليفزيوني

* لم أستطع منع نفسي من إضافة جُملة -بين الرواية والمُسلسل التليفزيوني- في عنوان التدوينة.. مع إنه من نوعية عناوين الكليشيه المقيتة! 🙂 لكنك ليس لك يد بأي حال حيثُ أنك في مدونتي وهو المكان الأمثل لأمارس عليك ديكتاتوريتي كما أشاء! 🙂 وهو ما يتماشى حقيقة مع روح الرواية! *

حسبت أن قرائتها –رواية بين القصرين– وانا أعرف معظم أحداثها مسبقاً سيفسدها.. ولكني تيقنت أنه مهما بلغ جمال العمل السنيمائي أو التلفزيوني فهو حتماً يخفي أهم ما تتفوق به الرواية ألا وهو وصف الشعور و دواخل النفس الذي تفشل فيه طريقة “الرؤية” لأي عمل.. حيث أنك ببساطة تشاهد النتيجة النهائية لكل ما يحتلج في نفس الشخصيات من تناقضات و أفكار فقط بدون معرفة تتعدى السطحية..

هي الجزء الأول من الثلاثية الشهيرة لنجيب محفوظ.. كتبها عام 1956 موضحاً تفاعل المجتمع المصري ومُختزلاً فيه اٌسرة واحدة لبحث الحال في وقت الإحتلال الإنجليزي وقبل ثورة 1919 بقليل.. شخصيات الرواية وأحداثها جائت مُتأنية ومُتقنة بدرجة أرهقتي في محاولة فهم بنائها الشخصي وتفاعلها في البناء السردي! أما عن بطىء الأحداث فأعتقد أن ذلك في ظلال حياتهم البطيئة نفسها أو أنه طبيعي للتحضير للأجزاء التالية من الثلاثية..

كنت متابعاً متحمساً وأنا إبن 10 أعوام أو أكثر بقليل للمسلسل الذي جاء تجسيداً للرواية.. لازالت مُقدمة المسلسل تتردد في ذهني حتى الأن.. مازلت أذكر ذلك الشعور بأني أدخل عالماً سحرياً كلما كنت أشاهدها في هذا السن رغم أنها في الظاهر تبدوا قاتمة! الجو القديم والطرابيش والجو المكهرب ما بين الأب المتجبر و الإحتلال الإنجليزي على السواء لم يكن منطقياً أن يروق لطفل مثلي في ذلك الوقت لكنه ما حصل! مازلت أذكر أداء المُمثل محمود مُرسي في المسلسل.. كانت صورته في ذهني وأنا أقرأ تفاصيل شخصية السيد أحمد عبد الجواد.. بهيئته بعينيه الزرقاء التي يتطاير منها الشرر.. في صوته القوي! أعتقد أنه لو كان نجيب محفوظ تخيل الشخصية وهو يرسمها وقارنها بشخص يؤديها ما كانت سيرسمها أكثر شبهاً بمحمود مُرسي..

المعظم يعرف شخصية السيد أحمد عبد الجواد المتسلطة وشخصية أمينة زوجته الزوجة المستكينة التي لا تخاف في حياتها أكثر من زوجها ثم العفاريت! لكن كان ما صدمني في الرواية عن شخصية السيد أحمد تحديداً هو التناقض الرهيب الذي كان واضحاً ظاهرياً في العمل التليفزيوني من خلال حزمه الشنيع في البيت بين زوجته وأبنائه.. والشخص المناقض تماماً لذلك حين زيارته للراقصات والغواني ليلاً! لكنه كان أعمق من ذلك في تناول الشخصية في الرواية حيث أنه كان يبرر ذلك لنفسه! – حتى التناقض أحياناً يمكن أن يبرره صاحبه لنفسه – كان شخصأ مع معاقرته للخمر والنساء مُتعبداً! يبتهل إلى الله في صلاته كل يوم ويذوب في الدعاء في كل مرة حتى البكاء! صدمني ذلك حد الذهول حقيقة.. لكنه كان يعتقد أنه طالما يفعل الخيرات فسيتغاضى الله عن سيئاته.. أو أن الخيرات سيزيد أجرها حتى يرجح كفته عن كفة سيئاته وكأن قلبه ميزاناً للطماطم! لم يراعي في ذلك صدمة أبنائه وخاصة فهمي رغم أن ذلك وقع موقع الحب من إبنه الأكبر و وريثه الشرعي في العربدة ياسين..

فهمي الشخصية المثالية صاحبة المُثل والقيم.. كان على الرغم من تجبر والده وعلى ما يضمره له في قلبه من خوف.. كان يُكن له الإحترام ويراه أب مثالي في إستقامته وأخلاقه.. كان كل ذلك قبل أن يعرف الحقيقة وتهتز صورة أبيه أمام عينيه.. لكن شخصية الأب المُحتلة بالخوف كل قلوب من حولها فرضت نفسها على قلب فهمي.. ولم يستطع أن يغير ذلك في معاملته له وظل حتى النهاية مُخلصاً ومُجلاً لأبيه.. رغم ما رأي في ذلك من مخالفة لكل المثالية..

ياسين.. أكثر الشخصيات تركيزاً في البداية وتفاعلاً وظروف حياته مع أمه زوجة السيد أحمد الأولى.. إحساسه بالمهانة حين كانت ترسله أمه المطلقة للفكهاني ليخبره أن عليه أن – يزورها ليلاً – .. بل ورؤيته لذلك الرجل يفترس جسدها رؤي العين كانت أكبر سكين لتحطيم شخصيته تماماً.. كان بالإضافة أيضاً التحطيم الأزلي لشخصيته من شخصية الوالد.. لكنه رغم أنه هو الذي إكتشف سقوط والده و عربدته في غرفة الراقصة الكبيرة.. كان هو يعربد أيضاً في الغرفة المجاورة مع مساعدتها عوادة الفرقة! كان ذلك أكبر رمز لوراثة السقوط من الأب للإبن.. ورغم صدمة فهمي حين عرف عن هذا الموقف الرهيب بالنسبة له.. كان ذلك بمسابة رفعة ومثال أعلى يحتزى به و زيادة في الحب من الإبن الأكبر ياسين! فإعتبر نفسه كما أنه إبنه الأكبر وحامل جيناته الوراثية الأول.. كان أيضاً حاملاً لدناسته الخُلُقية وكان ذلك سبباً في سعادة حقيقية له!

أمينة الزوجة وخديجة وعائشة البنات.. لم يكن هناك تركيزاً كبيراً عليهن درمياً.. كانوا أولاً وأخيراً شخصيات داجنة في حظيرة البيت.. رغم التباين البسيط في شخصياتهن.. لكنه لم يكن ذا تأثير على أي حال.. ربما كان ذلك في ظلال دور النساء في تلك الفترة.. كان تأثيرهن لم يتعدى حدود المطبخ وأحلامهن لم تتعدى حدود الزوج – لم يكن يهم ما كنهه – ومن بعد تلبية نداء الطبيعة في الولادة وهكذا.

هناك من المشاهد الدرامية في الرواية المشهد المشهور لخروج الأم أمينة دون علم زوجها المتجبر لزيارة مسجد الحُسين.. والتي تعرضت خلالها لحادث – التي خدعونا تليفزيونياً وقالوا أن السوارس صدمتها في الكلمة المشهورة في إعترافها له أن السوارس صدمتها ! – لم تكُن على أي حال سوى كسر في عظمة الترقوة من سيارة عادية.. المُهم .. أن السيد أحمد لم يكن له رد سوى طردها من البيت.. لكن ما أثارني حقاً في الرواية أنها لم تكُن رغبته الداخلية الحقيقية.. كان على إستعداد أن يسامحها غير أنه في تجسيد في الغباء البشري المتمثل في العناد والتكبر.. أبى أن يمر ذلك مرور الكرام مراعاة لصورته في البيت الغير مسامحة إطلاقاً مع الأخطاء.. النقطة الثانية هي تفاعل الأسرة كلها مع الأمر وخاصة الإبن الأصغر كمال.. – رغم أن أيضاً تليفزيونياً كان هناك مبالغة درامية في هذا الحدث تحديداً – لكنه كان في صورة تكاد تقرب إلى الحقيقة.. ومازلت أذكر تعبير أحد أصدقائي أنه كأنه شاهدها رؤي العين وهو يقول لأبيه قبل أن يطلق ساقيه للرياح وهو يبكي.. – رجع نينة الله يخليك!

كمال.. الشخصية التي تعتبرها كالملح في الطعام.. كان لها ملمس جميل ببرائته وتخابثه الطفولي في أنحاء الرواية حتى في أكثرها جدية وعصبية.. وأظن فقط أظن أن هذه الشخصية بالذات تمثيل كامل لشخصية نجيب محفوظ في سنه الصغيرة ومعاصرته لثورة 1919 وحتى في وصف ملامح وجهه! و أظن أن هذا سيظهر أكثر في باقي أجزاء الرواية.. سنرى..

إجعل العالم يقرأ هذه التدوينة .. :)

إقرأ أيضاً

إقرأ أيضاً

2 تعليقات

  • “وكأن قلبه ميزاناً للطماطم!”
    أحييك على التعبير، ألا ترى أن التربية التقليدية فى مجتمعنا لا تنشىء الا شخصا يفكر بهذه الطريقة ؟ تأمل معى افتتاح المحلات و احتفال صاحب المحل بالمحل على اعتبار انه فتح القسطنطينية، و البدأ بالقرءان ثم أسماء الله الحسنى ، ثم تشكيلة من الأغانى الساقطة يتبعها الكثير من قىء الأغانى الشعبية !
    من عبقرية نجيب محفوظ فى الثلاثية أنك تشعر بأن بطل الرواية هو السيد احمد عبد الجوّاد لكن فى الواقع البطل هو كمال ، و الذى يتضح فى الأجزاء القادمة انه ليس الملح فى الطعام و لكنه الديك الرومى على مائدة الأسرة فى عيد الشكر الأمريكى !
    أخيرا …. الله عليك ! 😀

  • […] محفوظ المعروفة.. كنا قد تحدثنا سابقاً عن جزئها الأول بين القصرين.. وقد نُشرت عام 1957.. و وجدتها من حيث الجمال والأفكار هي […]

إضافة تعليق