الغريب

إستيقظ فرانز كافكا في نهاية أسبوع من شهر مارس سنة 1917 في الساعة الرابعة عصراً, وعلى غير عادته, كان قد قطع من النوم العميق إثنتى عشر ساعة.  أدرك على الفور ضياع موعد الصديقين في الواحدة ظهراً, لمشاهدة بروفا تجريبية لمسرحة شخصيتي بوفار و بيكوشيه لكاتبه المفضل جوستاف فلوبير, لكنه مازال فرحاً بقطعه اثنتي عشرة ساعة من النوم المتواصل, وعلى الأقل الآن يشعر بحرية عدم التفكير في النوم مرة ثانية طوال الثمانيو الأربعين ساعة القادمة, ولكنه أيضاً من الصعب عليه التخلف عن موعد ضربه مع أحد ما, فما هو الحال إذا كانا صديقين مقربين.

قام من فراشه بثقل لذيذ في جانب رأسه الأيمن, حاول بحنين أن يتذكر أخر مرة استمتع فيها عند اليقظة بالوخم والخمول, فلم تسعفه الذاكرة. خرج من غرفته في وقت كانت أوتلا شقيقته تفتح الباب الخارجي لصديقيه الذين انتابهما القلق لعدم حضور كافكا في موعده.

هو على باب غرفته, والصديقان على الباب الخارجي, وأوتلا ظهره لأخيها. نظرة الفزع في عين الصديقين حعلت أوتلا تلتفت إلى شقيقها. كانت بلطة صغيرة مزدوجة السلاح مغروسة في جانب رأسه الأيمن, وكان المقبض الخشبي القصير للبلطة, طائراً في الهواء خلف رأس كافكا. صرخت أوتلا, وهي تضع يدها على فمها لكبت الصرخة. اقترب الصديقان من كافكا, ولم تجرؤ أوتلا التي إتجهت إلى باب غرفة الوالدين طلباً لدعم معنوي. حاول كافكا أن يقطع على شقيقته طريق إزعاج والديه, لأنه ينفر حتى من إمكان معرفتهما بشيء يتعلق به, وهو مازال يجهله, إلا أن صديقيه أخذا يديه إلى مرآة حائط.حرك كافكا رأسه آمام المرآة, ليرى مقطعاً عرضياً لجانب رأسه ومع الحركة بدت البلطة ثابتة بإحكام في جانب رأسه الأيمن, وبدا سلاحها الأبيض مغروساً إلى منتصفه في جانب رأسه.

كان الجرح نظيفاً, وقريباً من حاجبه كان النصل يلتحم باللحم, وعلى امتداده كان غائراً في فروة شعره. ضغط كافكا حول النصل بحرص, وكأنه لا يستشعر المأساة, بقدر ما يستشعر التعامل معها في المستقبل. قال والده بصوت حازم: كن رجلاً وانزع هذا عن رأسك. وبعد التحقق الدقيق ظهر للجميع بما فيهم الوالد أن نزع البلطة عن رأسه فيها موته. دخل كافكا إلى غرفته هادئاً, اقترب من النافذة. كانا صديقاه يبتعدان في الشارع. فكر أن أحدهما يُحدث الآخر في مشاريع اختراعات علمية, ولبعد المسافة بينه وبين صديقيه, لم يعرف من هو بوفار ومن هو بيكوشيه.

*** من كتاب حطب معدة رأسي لـمصطفى ذكري.. ***

إجعل العالم يقرأ هذه التدوينة .. :)

إقرأ أيضاً

إضافة تعليق