الجمال في معنى ربما يأتي غداً!

مقطع من رواية وولدن لديفيد ثورو من ترجمة دكتور عبد الوهاب المسيري.. تصلح لأن تكون أمامك دائماً إن كنت تحلم بكتابة شيء جميل يوماً ما.. لما فيها من جمال ولما فيها من حلم مريح بأن الوقت مازال أمامك كبير لتفعل وتقرأ وتكتب هذه الفكرة أو تلك.. لكن على جانب أخر يقف الواقع وينظر لك بسخرية بطرف عينيه.. أن الوقت ليس كبيراً لهذه الدرجة.. وإن لم تكن الإلتزامات الحياتية فأنت على الأقل لا تضمن العمر من حيث الحساب..

ورغم أن دكتور عبد الوهاب المسيري كان قد أهدى القصة القصيرة في نهاية سيرته الذاتية لأخرين, لكني أجده فيها هو أولاً بمشروعه الكبير موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية التي قارب العمل فيها للثلاث عقود من عمره, ذكرتني في سياقها بنفس تجربة قصة الحضارة لـ وٍل ديورانت التي قاربت المُدة نفسها..

لا أحد يعرف ما عدد الإحتمالات الموجودة غداً إن كانت في صالحه وفي صالح مشاريعه الفكرية أو الأدبية أم لا.. ويبقى بذلك مقطع الرواية قابل للحلم وعدد ما بين الإحتمالات..

” كان هناك فنان يعيش في مدينة كوورو، دائب المحاولة للوصول إلى الكمال، ومرة ترائى له أن يصنع عصا. وقد توصل هذا الفنان إلى أن الزمان عنصر مكون للعمل الفني الذي لم يصل بعد إلى الكمال، أما العمل الكامل لا بدخله الزمان أبداً. فقال لنفسه: سيكون عملي كاملاً من جميع النواحي، حتى لو إستلزم الأمر ألا أفعل شيئاً أخر في حياتي.

فذهب في التو إلى غابة باحثاً عن قطعة من الخشب, لأن عمله الفني لا يمكن أن يُصنع من مادة غير ملائمة. وبينما كان يبحث عن قطعة الخشب, ويستبعد العصا تلو الأخرى, بدأ أصدقاؤه تدريجياً في التخلي عنه, إذ نال منهم الهَرَم وقضَوا, أما هو فلم يتقدم به العمر لحظة واحدة, فوفاؤه لغايته وإصراره وقتواه السامية أفضت عليه, دون علمه, شباباً أزلياً. ولأنه لم يهادن الزمن, ابتعد الزمان عن طريقه, ولم يسعه إلا أن يطلق الزفرات عن بُعد, لانه لم يمكنه التغلب عليه. وقبل أن يجد الفنان العصا المناسبة من جميع النواحية, أضحت مدينة كوورو أطلالاً عتيقة, فجلس هو على أحد أكوامها لينزع لحاء العصا. وقبل أن يعطيها الشكل المناسبة, كانت أسرة كاندهار الحاكمة قد بلغت نهايتها, فكت اسم آخر أعضائها على الرمل بطرف العصا, ثم استأنف عمله بعد ذلك. ومع انتهائه من تنعين العصا وصقلها لم يعد النجم كالباً في الدب القطبي. وقبل أن يضع الحلقة المعدينة ( في طرق العصا لوقايتها), وقبل أن يُزين رأسها بالأحجار الثمينة كان آلاف السنين قد مرت. وكان براهما قد استيقظ وخلد إلى النوم عدة مرات.

وحينما وضع الفنان اللمسة الأخيرة في العصا, اعترته الدهشة حين تمددت العصا بغتة أمام ناظريه لتصبح أجمل الخلوقات طُراً. لقد صنع نسقاً جديداً بصنعه هذه العصا, عالماً نسبه كاملة وجميلة, وقد زالت في أثناء صنعه مدن وأسر قديمة, ولكن حل محلها مدن وأصر أكثر جلالاً. وقد رأى الفنان الأن وقد تكومت عند قدميه أكوام النجارة التي يصطت لتوها, رأى أن مرور الوقت في السابق بالنسبة له ولعمله كان مجرد وهم, وأنه لم يمر من الوقت إلا القليل.

كانت مادة عمله نقية صافية, وكان فنه نقياً صافياً, فكيف كان يمكن للنتيجة ألا تكون رائعة؟”

إقرأ أيضاً

إضافة تعليق